الراغب الأصفهاني
205
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ما يعرف به صحة النبوة لكل نبي آيتان : إحداهما : عقلية يعرفها أولو البصائر من الصديقين والشهداء والصالحين ومن يجري مجراهم ، والثانية : حسية يدركها أولو الأبصار من العامة . فالأولى : ما لهم من الأصول الزكية ، وصورهم المرضية ، وعلومهم الباهرة ، ودلائلهم المتقدمة عليهم والمستصحبة ، وأنوارهم الساطعة التي لا تخفى على أولي البصائر ، كما قال الشاعر في مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بداهته تغنيك عن خبره وذلك أن حق النبي أن يكون من أكرم تربة في العالم ، وحيث يكون عقل أربابها أوفر ، ولذلك لم يبعث نبي من الأطراف التي تضعف عقول أربابها . ويجب أن يكون من عنصر كريم من بيت الفضل « 1 » ، ولهذا قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 2 » ، ونبّه بقوله : ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أنه جعل النبوة في أهل بيت واحد لا تخرج عنهم لكونهم أشرف . ويجب أن يكون عليه أنوار تروق من رآها وأخلاق تتملك من ابتلاها ، كما قال تعالى : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي « 3 » ، وقال لنبينا عليه السّلام : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ « 4 » .
--> ( 1 ) « ويجب أن يكون من عنصر كريم من بيت الفضل » سقطت من ط . ( 2 ) آل عمران / 33 ، 34 . ( 3 ) طه / 39 . ( 4 ) القلم / 4 .